الشريف الرضي

248

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

وقوعه كأنه قد كان ، فعبر عنه بعبارة الكائن الواقع . والوجه الآخر ، أن يكون أراد ( ع ) بذلك أنني تصورت بعلمي ورأيت بعين قلبي الجنة ، فرأيت أكثر من فيها تلك صفتهم ، فجعل يقينه لما يحدث عنه لتحققه له كالشئ الذي شاهده وباشره ، لما قوي في علمه أن الامر يكون كذلك لا محالة . ومعنى البله ههنا الغافلون عن أذى الناس والاضرار بهم ، لا الناقصو العقول ، كما يظن بعض الناس ، وليس ذلك من صفات الذم ، ولكنه من صفات المدح ، وعلى ذلك قول الشاعر : بعد غداني الشباب الأبله [ 1 ] اي : الغافل صاحبه عن مواقع الهموم ، وطوارق الخطوب ، فقد وضع البله ههنا موضع الثناء والمدح ، لا موضع العيب والذم . فان قال قائل : كيف رغب تعالى المكلفين في ذكر جنة ما خلقها ، ولا أوجد جملتها . قيل : إن ذلك جائز سائغ لان خلق الجنة مقدور له تعالى ، وهو متمكن منه ، وقادر عليه ، فمتى شاء أو جدها غير متعذر عليه إيجادها ، ولا صعب قيادها ، كما رغبهم تعالى في ثواب لم يوجده بعد ، وحسن ذلك ، لان وعده صادق وأمره واقع ، وعلى أنه لولا السمع الوارد والدليل الواضح اللذين أشرنا إليهما ، لكان يصح خلقه تعالى جنة الخلد قبل انقطاع التكليف ، ولكن السمع منع من ذلك ، وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة كاف بتوفيق الله تعالى .

--> ( 1 ) تقدم صفحة 191